الأثر الاقتصادي للاجئين السوريين على تركيا

الأثر الاقتصادي للاجئين السوريين على تركيا

مهند نادر

تركز تأثير اللاجئين السوريين خلال العام الأول من الأزمة السورية وبعد ذلك بقليل على المدن الحدودية، ومازالت حتى الآن تتحمل العبء الأكبر في مسألة استيعابهم. فمدينة كيليس على سبيل المثال كانتعداد سكانها قبل الأزمة السورية قرابة (80000) نسمة وهي تحتضن الآن ما يزيد عن (80000) لاجئ سوري بالإضافة إلى سكانها الأصليين. وقد انتشر اللاجئون في باقي المدن التركية حيث تضم إسطنبول وفقاً للتقارير ما يزيد على (100000) لاجئ مما ينذر بأن الأزمة الناشئة من اللاجئين باتت عامة في تركيا ولم تقتصر على بعض المدن فقط مما يجعل أثرها واضحاً على الحكومة التركية وشعبها في آن واحد.

من الناحية الاقتصادية أقرت الحكومة التركية في تقاريرها المختلفة أنها أنفقت ما يزيد عن (2.5) مليار دولار أمريكي لإغاثة السوريين، وأغلب هذه المساعدات ذهبت لمساعدة اللاجئين، وبعضها وصل للسوريين في المناطق الشمالية من سوريا، وهذا المبلغ ربما أقل مما تكبدته الحكومة التركية والمنظمات غير الحكومية في تركيا لمساعدة اللاجئين السوريين، حيث أن المبلغ المذكور لا يشمل جميع نفقات الرعاية الصحية، أو المبالغ التي صرفت عن طريق البلديات، أو حتى التي طالبت بها بعض المنظمات غير الحكومية لإغاثة اللاجئين السوريين.

 إن التزام الحكومة التركية بتوفير المساعدات والخدمات لـما يقارب (200000) لاجئ يعيشون في المخيمات يعتبر مصدر فخر واعتزاز للحكومة التركية، ويقدم دليلاً قوياً على استجابتها للأزمة الناشئة في سوريا بشكل جيد، كما أنه يثير الأسئلة بخصوص إمكانية استمرار هذه المساعدات، ويدعو إلى ضرورة تقاسم الأعباء مع الحكومة التركية من قبل المجتمع الدولي.

إن الأثر الاقتصادي لوجود اللاجئين السوريين في تركيا وصل إلى أكثر مما توقعت الحكومة نفسها، فعلى سبيل المثال ارتفعت الأسعار في البلاد بشكل ملحوظ وخصوصاً بالنسبة للبيوت المستأجرة، وبشكل واضح جداً في المدن الحدودية أكثر من غيرها،يقول السيد كوكسوزار رئيس نقابة المقاولين في مدينة غازي عنتاب “في السنوات الثلاث الماضية واجهت المدينة مشاكل في البنى التحتية نظراً لتوافد أعداد هائلة من السوريين، مما أدى إلى ازدياد أسعار الإيجار والعقار على الأقل بنسبة ضعفين، فمثلاً الشقة السكنية المكونة من ثلاث غرف وصالة كان سعر مبيعها في السابق يتراوح ما بين (80 – 100) ألف ليرة تركية أصبح سعرها حالياً لا يقل عن (180) ألف ليرة”، وهذا ما سبب بدوره ارتفاع معدل التضخم السنوي حيث كان في السابق (7%) في مدينة غازي عنتاب وأصبح اليوم (8.8%) ويرجع هذا التضخم إلى زيادة أسعار العقار والإيجار، وزيادة أسعار المواد الغذائية بسبب كثافة اللاجئين السوريين المستأجرين فيها، مما خلق موجة من الاستياء لدى ذوي الدخل المحدود والمتوسط من الأتراك، قال سائق شاحنة تحمل الخضار “كل شيء ارتفع سعره في البلد ضعفين أو ثلاثة، حتى كيلو الطماطم ارتفع سعره من ليرة واحدة إلى ليرتين”.

 كما تجدر الإشارة إلى الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعثر الحركة التجارية بين البلدين عبر الحدود بسبب الأزمة، فقد انخفضت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا في نهاية 2011 إلى (360) مليون دولار، بعد أن وصلت إلى ذروتها عام 2010 حيث سجلت (1,8) مليار دولار. كما أدت الأحداث في سورية إلى توقف حركة السياحة بين البلدين بما لذلك من تأثيرات على العملية الاقتصادية.

رغم كل تلك التأثيرات السلبية الناجمة عن الأزمة السورية فإن وزير التنمية التركي جودت يلماز يرى أن هذه الآثار على اقتصاديات بعض المناطق التركية مرحلية، متوقعاً عودة الحركة الاقتصادية أقوى من قبل فور انتهاء الأزمة السورية، ولفت يلماز في تصريح صحفي لوكالة الأناضول “أنه في حالة انتهاء الأزمة فإن سوريا ستحتاج إلى الكثير في مرحلة البناء والإعمار”، وأكد الوزير التركي “أن اقتصاد تركيا من أقوى الاقتصادات في المنطقة” مشيراً إلى أن التأثيرات السلبية لا تزعزع مكانته.

قد يكون وضع العمال السوريين في تركيا ظاهرة تستحق التوقف عندها والتدقيق في ظروف العامل السوري، الذي يعمل دون أي تأمين صحي أو ضمان اجتماعي أو مراعاة حدود العمر المسموح له بالعمل، وبأجورٍ أقل من نظرائهم الأتراك فلا يتجاوز راتب العامل السوري (700 – 800) ليرة تركية شهرياً، أو أجر يومي يتراوح بين (20 – 30) ليرة تركية، مالك أحد المعامل التركية يقول “إن الكثير من معامل النسيج تُشغّل السوريين بأجور لا تصل إلى 900 ليرة تركية، والعمال صغار السن يعملون بأجر لا يتجاوز 25 ليرة يومياً”، ويؤكد على انخفاض هذه الأجور قائلاً “هذا استغلال لحاجة السوريين للعمل“. ومن جهة أخرى يتحدث أحد العمال السوريين عن ظروف العمل قائلاً “نحن نشكر الأتراك لأنهم أمنوا لنا العمل والسكن رغم قلة الرواتب، وهذا أفضل من الحاجة وانتظار المعونات، نعمل ونحصل على قوت أطفالنا بعرق الجبين”. وهذا ما جعل العمال الأتراك يرون بأن العامل السوري ينافسهم على فرص العمل وخاصة في المناطق الحدودية.

 قد يكون من الضرورة بمكان التنويه الإشارة إلى بعض الفوائد الاقتصادية التي تحققت بسبب تدفق الأموال السورية عبر الحدود، فعلى سبيل المثال، أنشأ السوريون في المدن الحدودية التالية غازي عنتاب، وهاتاي، وميرسين (122) شركة تجارية في الأشهر السبعة الأولى من العام 2013، كما افتتحوا (106) شركات أخرى في إسطنبول وبورصة في نفس العام، وتم تسجيل دخول ما يقارب (39) مليون ليرة تركية أي حوالي (20) مليون دولار أمريكي من سوريا خلال الأزمة السورية. أينما تجولت في المدن التركية تجد المحلات والمطاعم ومكاتب الخدمات السورية التي تستثمر في السوق التركي، وترى اللافتات المكتوبة باللغة العربية لمساعدة السوريين في التسوق والدلالة على السلع المختلفة مما يدل على قوة حركة الشراء وتأثيرها في السوق المحلي. لابد من القول إن تدفق رأس المال السوري إلى تركيا نجم عنه ارتفاع نسبة طلب البضائع والخدمات وهذا يعتبر فائدة اقتصادية لتركيا.

علبي

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: