لا يمكن أن تكون “الزوجة الثانية” في تركيا إلا فتاة سورية لاجئة

منذ بداية نيسان عام 2011 بدأ تدفق السوريين إلى دول الجوار هرباً من الموت الذي خيم فوق البلاد، وحسب تقديرات الأمم المتحدة تجاوز عدد اللاجئين السوريين إلى تركيا عتبة المليون منهم ما لا يتجاوز 220000 فقط موجودون داخل المخيمات التركية. أما الباقي فقد توزعوا في المدن الحدودية وغيرها وجميعهم لم يمنحوا صفة أكثر من “ضيف”، الصفة التي توحي بالكرم إلا أنها في ذات الوقت تحرم اللاجئين من جميع الحقوق المنصوص عليها دوليا.
ومع اضطرار الكثير من العائلات السورية للهرب دون أن يتمكنوا من حمل أوراقهم الثبوتية ونفاذ مدخراتهم التي استطاعوا جلبها معهم ليعيشوا في هذا البلد الذي تعتبر الحياة فيه صعبة بسبب غلاء المعيشة النسبي، فقد لجأوا إلى طرق ربما يصح تسميتها باللاإنسانية أحيانا للتحايل على شظف العيش وجوع الغربة. في هاتاي، يمكنك رؤية الآلاف من السوريين الذين يسكنون الحظائر أو الأكواخ لتسترهم بما حملوا من مال قليل. وحين تسأل عن أحوالهم تطالعك قصص تشبه الخيال عن الفقر الذي أجبر الآباء على بيع بناتهم مقابل أجرة كوخ يستر باقي أفراد الأسرة. وعند سؤال المعنيين بالأمر سواء من الحكومة التركية أو منظمات المجتمع المدني لا يمكنك الوصول إلى أية إجابة سوى ما يعري تقصير الجميع تجاه هؤلاء. وبالرغم من أن إعلام العالم يتحدث يوميا عن السوريين ولكنه في جله مهتم بأخبار “المجاهدين” أو الدمار الذي تلحقه البراميل بالبلد، وفي بعض الأحيان صورت بعض وسائل الإعلام بعض حالات التسول في شوارع تركيا، لتبقى قضية المرأة السورية اللاجئة قيد الكتمان.
وليس سراً أن الزواج بامرأة ثانية يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون التركي، ولكن أعداد الرجال الأتراك ممن تزوجوا من سوريات تزداد يوما بعد يوم. ودرجت تسمية جديدة لهذا الزواج “زواج الإمام” المشرع إسلاميا ولكنه مخالف للقانون التركي، ولا بد أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة سورية حصرا لأنها لا تملك أوراقا ثبوتية لتستخدمها من أجل إتمام إجراءات زواج قانوني. وليس غريبا أن تكون أغلب تلك الزوجات من القاصرات بأعمار لا تتجاوز الرابعة عشرة فهذا السن رغم أنه سن الطفولة إلا أنه هو المفضل للأزواج الراغبين بزوجة ثانية مع الأسف.
شهدت مدن هاتاي وغازي عنتاب وأورفة وكيليس أكثر تلك الزيجات وتعتبر هذه الظاهرة في طور الانتشار في المجتمع التركي. فقد أفادت منظمة “كيليس بلاتفورم” الغير حكومية بأن ما لا يقل عن 5000 حالة “زواج إمام” وقعت في كيليس وحدها، المدينة التي لا يزيد عدد سكانها عن 124000 نسمة، كما تحدث البعض عن أن نصف عدد الرجال تقريبا في الريحانية قد تزوجوا بزوجة ثانية من اللاجئات السوريات. قد يقول قائل إن تعدد الزوجات أمر شائع في المجتمع السوري ولكن الحقيقة أن الزوجة الثانية هنا في تركيا لا تملك أي حق من حقوق الزوجات. وأغلبهن يتلقين الضرب اليومي ويتعرضن للكثير من العنف الأسري وهن لا تتجرأن على طلب الطلاق لأن ما يدفعه الزوج من مال يساعد به الأهل سينقطع حتما. ولإخفاء حرجهن، عمدت الزوجات التركيات إلى ادعاء قبول الضرة وأطلقن عليها اسما جديدا “الأخت الشرعية” ولكن عادة ما يتم التعامل معها على أنها خادمة أو بأحسن الأحوال مساعدة للزوجة الأولى.
عند سؤال شريف.أ-مواطن تركي من مدينة كيليس وقد تزوج بزوجة ثانية-عن سبب إقدامه على هذا الزواج أجاب بكل تلقائية: “إنها لا تكلف الكثير، فالمرأة التركية تطلب مهرا بما يعادل 5000 دولار أما السورية فربما تقبل بـ 500 ليرة” وأضاف قائلاً ” إنها لا تطلب مني إلا الرضا وأنا لم أرتكب ما يغضب الله”. ثم حدثني عن زواجه الذي يمكن اعتباره خدمة إنسانية وواجب شرعي تجاه عائلة مسلمة.
وفي مدينة أورفة يعيش الكثير من اللاجئين السوريين، السيدة أمينة من منظمة “بيت المرأة” شرحت لي على الهاتف أن هناك الكثير من المشاكل الاجتماعية فيما يتعلق بتعدد الزوجات: “إن سيكولوجية تلك النساء السوريات اللواتي يتزوجن لتصبحن زوجة ثانية او ثالثة ليست سوية، وهنّ تعانين من حالة من القلق بخصوص ما بعد ذلك الزواج، كما أكدت ان أورفة أصبحت سوقا يتم فيه المتاجرة علنا بالنساء مقابل مبلغ من المال”. وهناك من تخيب آماله بعد زواجه الثاني فيحاول التعويض بزوجة ثالثة او رابعة وكل ذلك تحت مسمى “الزواج الشرعي أو زواج الإمام” الذي لا يمكن اعتباره قانونيا تحت أي ظرف كان. لا بل إن بعض أصحاب المنازل تجرأوا على طلب الزواج من الفتيات السوريات مقابل مبلغ أجار المنزل الذي يقطنه أهلها إذا تعذر عليهم الدفع في الوقت المحدد”.
أما السيد الياس الذي اشتهر كوسيط زواج في جميع أنحاء هاتاي، وقد تحدث إلينا بكثير من الحذر والحرص وفي حديثه قال: “بدأ عملي في قريتي قبل الحرب، فقد أرسلنا الكثير من العرائس من قريتنا إلى قونيا وإسطنبول وقد نالوا إعجاب الأسر التي تزوجوا من أبنائها، فهن ماهرات في تحضير الطعام اللذيذ ومتواضعات ويرتدين اللباس الإسلامي المحتشم لذلك بدأ الكثيرون يطلبون مني في وقت لاحق إرشادهم إلى عرائس مماثلة وبعد الحرب قدمت لهم العرائس السوريات وهم وافقوا”. “أنا مجرد واسطة بين الطرفين ولكن الناس يسيئون فهمي” ثم أضاف وهو يبتسم: “الحقيقة أكثر العرائس هن من السوريات لأن الطلب على العروس السورية أكبر”.
وفي حديثي إلى فاطمة وهي فتاة سورية تزوجت بعمر 13 عام من رجل تركي عمره 60 عاما، نظرت حولها بقلق وريبة ثم قالت: “”هربنا من الحرب وجاء بعض الرجال لمساعدتنا، بعضهم قدم لنا الطعام وأحدهم كان زوجي وأخبر والدي أن زوجته توفيت وليس لديه أبناء ومن ثم عرض عليه أن يزوجني مقابل استئجار منزل لأهلي، لكني اكتشفت لاحقا أن زوجته موجودة ولديهما أربعة أبناء” وعن حياتها قالت: “إنهم يطعموني من طعامهم وأساعد زوجته في أعمال المنزل ولست الوحيدة التي تزوجت صغيرة”.

Advertisements

Posted on June 28, 2014, in Uncategorized. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: