مقاتلون لكنهم صغار

2/7/2014 مها الخضور
مع استمرار الحرب فاقت مأساة الأطفال السوريين كل الحدود والتوقعات، فكثير منهم يولدون-إذا كتبت لهم الولادة-مشوهين بسبب العنف الذي طال الأمهات خلال فترة الحمل. كما أن ملايين الأطفال حرموا من الذهاب إلى المدارس أو يحصلون على الخدمات الصحية والاجتماعية اللازمة. لكن الظاهرة التي تشكل التهديد الأكبر لطفولة أبنائنا هي انخراط أعداد كبيرة منهم ممن تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة في القتال طوعا أو رغما عنهم أحيانا.
يقول ألكس بولوك، مدير برنامج التمويل الصغير في الأونروا: “تبتلي سوريا الآن بغياب فرص العمل وتعمها البطالة. فمنذ أن بدأ النزاع، انضم 2.67 مليون شخص إلى صفوف البطالة، مما يعني أن 11 مليون شخص من المعيلين قد فقدوا سبل الدعم المالي الأساسية. علاوة على ذلك، إن تضخم الأسعار المنفلت يضغط على الأسر التي تعاني من تنامي حدة البطالة والفقر واليأس الذي دفع بالأطفال للعمل لتأمين احتياجات الأسرة ولربما زجّ بهم في القتال لنفس الأسباب أيضا”. وبالفعل فقد سُجّل انخراط أعداد كبيرة من الأطفال ضمن صفوف المقاتلين في كلا طرفي النزاع، ولم يعد غريبا رؤية صور لأطفال يحملون السلاح او يقفون على الحواجز. الأمر الذي يحتاج إلى دراسة جادة حول أسباب إقدام هؤلاء الأطفال على الأعمال القتالية رغم تعبيرهم عن الخوف من الموت في كثير من الأحيان، فأي مستقبل تنتظره سوريا بعد كل هذا الدمار والتشوه الذي طال كل شيء فيها حتى الطفولة.
وفي حديثي إلى زوجة أحد المقاتلين حول مدى خوف الأطفال من الموت قالت: “في البدء كنت أقول لأولادي إن أزيز الرصاص ووهج نيران القذائف في السماء ليسا إلا ألعاباً نارية، لأنهم كانوا يحبونها، ولكن مع الوقت، لم يعد ينطلي عليهم الأمر. صاروا يعرفون الحقيقة وأخذوا يتعاملون مع الموت كما نتعامل معه نحن الكبار”. لقد أصبح مشهد الموت اليومي مألوفا لغالبية أطفال سوريا، مما أثر على أحاديثهم وألعابهم سواء في المناطق المحررة أم في مناطق النظام. وهذا ما دفعني لرصد بعض من حالات الأطفال المقاتلين واستقصاء أسباب قيامهم بالأعمال العسكرية. فجميع هؤلاء الأطفال يدفعون ثمن حرب آبائهم غالياً. عشرات الآلاف منهم قُتلوا وملايين منهم هُجّروا من بيوتهم، ومن تبقى منهم في الوطن ينتظرهم مستقبل مجهول وغير واعد، لأن الحرب القذرة والتي طالت مدتها، خربـــت أرواح كثيرين منهم وتركت آثارها السلبية عميـــقة في نفوسهم.
يوسف-مقاتل من حي القابون الدمشقي، حمل السلاح وعمره لا يتجاوز السادسة عشرة يقول إن استشهاد أخويه بسبب القصف على الحي دفعه للانضمام إلى إحدى الكتائب المقاتلة. ويضيف أن وجود العديد من الفتيان في عمره شجعه على القتال وأزال حاجز الخوف من الموت رغم اعترافه بأنه يرغب بانتهاء الحرب بأسرع وقت ممكن والعودة إلى المدرسة التي تركها قبل عامين، ولا يخفي فرحه بالمبلغ المالي القليل الذي يستطيع إرساله لعائلته من فترة إلى أخرى قائلا: “لا أحب القتال ولكني لا أمانع بالموت دفاعا عن أهلي …. كما أنني أرسل لهم بعض المال لأن والدي لم يعد يعمل منذ أكثر من عامين”.
وفي محل لبيع الحلوى والمثلجات في حي الدويلعة، وقف ياسر حاملا بندقيته التي تبدو بوضوح شديد كبيرة على سنه وقد ارتدى لباسا مموها مما يوحي بأنه عسكري ولكنه صغير جدا، انتظر مثل بقية الأطفال وعندما حان دوره طلب مثلجات بالفريز وكان يقول لرفيقه الذي يحمل بندقية أيضا أنه يحب هذا النوع من المثلجات منذ صغره، لم أستطع منع نفسي من سؤاله بتودد كما نسأل الأطفال عادة: “كم عمرك يا بني؟” أجابني على الفور وبدون تردد: “25 عام” مما جعل رفيقه يصرخ: “ما بك لقد جعلت نفسك أكبر مني وأنا لم أبلغ التاسعة عشرة” طبعا هذان الصغيران يبدو عمرهما واضح جدا فكلاهما لم يتجاوزا السادسة عشرة. وعند السؤال عن أسرتيهما أجابني كلاهما ان الوالد قد توفي في الحرب وأنهما حملا السلاح وتطوعا في اللجان الشعبية للدفاع عن الوطن أولا ومن ثم لإعالة أسرتيهما في الزمن الصعب حيث لا يستطيع الأعمام أو الأخوال تقديم العون بسبب غلاء المعيشة.
لقد تحول لعب الأطفال إلى معارك بين المسلحين والقوات الحكومية، ينقسم الأطفال إلى فريقين في الأحياء الموالية وغالبا ما تبدأ اللعبة بمشاحنات حول تشكيل كل فريق إذ يرفض غالبيتهم الانضمام لفريق “الإرهابيين” ويفضلون البقاء في فريق النظام لأن آباءهم أو إخوتهم يقاتلون الإرهاب ويدافعون عن الوطن. ومن الضروري جدا أن تنتهي اللعبة بانتصار فريق النظام أيضا وإلا فإنها قد تؤدي إلى مشاحنات جديدة. وعند الاقتراب من ألعابهم أكثر تلفتك خبرتهم العسكرية، فهم يميزون أصوات القذائف واتجاهاتها وأنواع الأسلحة المستخدمة وطرق تضليل القناصة وصناعة القنابل وألاعيب السياسة. ثم يلفتك أيضا أن اللعبة المفضلة لديهم من بين جميع الألعاب العسكرية هي لعبة القناص، حيث يتمرن الجميع على اجتياز المناطق المقنوصة بدافع الخوف من الموت. فيقوم أحد الأطفال باعتلاء أحد الأسطح ويتظاهر بأنه قناصا فيتصايح الأطفال وينبهون بعضهم لوجوده ومن ثم يقومون بالعبور الحذر للمنطقة المحددة والفائز هو الذي يمكنه العبور أما الخاسر فهو من مات.
لقد شوهت الحرب دواخل أطفالنا وسفحت براءتهم أمام أنظار العالم فهل يقدم المختصون وأصحاب القرار ما يلزم لإنقاذ ما تبقى منهم ……..

Advertisements

Posted on July 8, 2014, in Uncategorized, قطاف زيتون. Bookmark the permalink. Leave a comment.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: