Author Archives: zaitonmag

جواز السفر السوري…. حلم آلاف السوريين

مهند النادر
زيتون
معاناة المواطن السوري تتعدد أشكالها وتظهر في مختلف مناحي الحياة كلما طال أمد الصراع وتأخر حسمه وتنوعت وتعددت أطرافه، وقد أدى القتل والتدمير المنتشر في البلاد إلى هجرة ولجوء ملايين السوريين إلى دول الجوار والمنافي البعيدة بطرق شرعية وغير شرعية حسب ما تمكن هؤلاء. لقد ترك الكثير من السوريين بيوتهم دون القدرة على حمل وثائقهم الرسمية معهم والكثير منهم لا يملكون جواز سفر أساساً أو تركوه خلفهم عندما خرجوا تحت القصف والتدمير لينجو بحياتهم وحياة أطفالهم، وهناك العديد منهم من انتهت صلاحية جواز سفرهم ولا يملكون الإمكانية لتجديده.
لقد عبر الكثير من السوريين الحدود مع تركيا بطريقة غير شرعية عبر “التيل” أو بواسطة “الحِلّة” بسبب عدم وجود جواز سفر يسمح لهم بدخول الأراضي التركية عبر المعابر النظامية، محمد من قرية مارع في الريف الحلبي يتحدث عن ظروف خروجهم من منزلهم تحت قصف الطائرات والبراميل المتفجرة قائلاً “كان همنا أن ننجو بأولادنا وأرواحنا لم نستطع البحث عن أوراقنا الثبوتية وعندما عدنا وجدنا البيت مدمراً وكل ما فيه محترق”، هذه حال الكثير من السوريين الذين دخلوا إلى تركيا بدون وثائق وخاصة بدون جوازات سفر كونهم لم يمتلكوها بالأصل.
تبدأ المعاناة من عدم إمكانية الحصول على الإقامة القانونية في تركيا بسبب عدم وجود جواز السفر إلى فقدان الفرصة في محاولة البحث عن بلد أخر يوفر له فرصة حياة أفضل أو الانتقال إلى مكان آخر. حيث ما زالت الإجراءات القانونية التي تعمل بها دوائر الهجرة التركية حتى اليوم هي اشتراط وجود جواز سفر مختوم من أحد المعابر الحدودية بشكل نظامي، وهذا ما يفتقده الكثيرون ويشكل أزمة لهم لعدم قدرتهم على الاستفادة من الإقامة وميزاتها ويبقي وضعهم غير قانوني خاضع للظروف السياسية. مما يدفعهم إلى البحث عن طرق مختلفة للحصول على جواز السفر أو أي وثائق أخرى ويضطر الغالبية إلى اللجوء للتزوير عبر سماسرة الوثائق بسبب عدم قدرته على الوصول إلى مراكز الهجرة التابعة للنظام خوفاً من الاعتقال.
وتختلف مستويات الوثائق المزورة حسب نوعيتها ومصدرها وحسن تزويرها، “أبو محمد” أحد سماسرة الوثائق في مدينة كيلس التركية يتكلم عن الموضوع قائلاً: “الجواز النظامي سعره من 1800 – 2000 دولار ويكون بصورتك ومعلوماتك الحقيقية وتستطيع السفر به إلى حيث تشاء، وجواز السفر بتبديل الصورة والمعلومات غير حقيقية سعره 800 دولار، وتجديد الجواز بلصاقة نظامية يكلف 400 دولار” وعندما تسأله عن اللصاقة وكيف تم الحصول عليها يقول: ” نشتريها من موظفي الهجرة التابعين للنظام فكل منهم له سعر”، وهناك سمسار آخر يقول: “حصلنا على نسخ نظامية من الجوازات الفارغة وتوابعها عندما تم اقتحام مراكز الهجرة في حلب والرقة ويتم استخدامها هنا”، إلا أن هذا الجواز “النظامي” لا يصلح للدخول إلى سوريا ولا يمكن استخدامه في لبنان كونه بلا قيد. من يملك المال يحصل على جواز السفر لينجز معاملاته أو يستخدمه بالسفر إلى بلد أخر ويبقى غالبية المواطنين يعانون من عدم إمكانية الحصول عليه لا عبر التزوير ولا إمكانية استصداره من دوائر هجرة النظام بسبب وجودهم خارج البلاد وإغلاق العديد من الدول للسفارة السورية فيها والصعوبات التي تضعها السفارات التي ما زالت تعمل أمام المواطنين وخاصة المعارضين للنظام أو المطلوبين له.
حاول البعض الاتصال بالقنصلية السورية التابعة للنظام في مدينة إستانبول للحصول على جواز سفر أو محاولة تجديد جواز انتهت مدة صلاحيته لكن محاولاتهم لم تثمر وقد باءت بالفشل بسبب عدم حصوله على رد واضح ومحدد طيلة شهور من المراجعة، رغم إصدار حكومة النظام السوري التعليمات التنفيذية الخاصة بمنح جوازات السفر للمواطنين السوريين المقيمين في الخارج، وحددت تلك التعليمات مدة أسبوع بنظام الدور لصدور الجوازات العادية، ومدة 72 ساعة للمستعجلة. سالم شاب سوري مقيم في مدينة إستنبول انتهت صلاحية جواز سفره نصحه البعض باللجوء إلى القنصلية لعله يحصل على تجديد لجواز سفره استناداً على قرار حكومة النظام والتعليمات الخاصة بالتجديد وإصدار جواز سفر للسوريين المقيمين خارج سوريا، يقول: “ذهبت إلى القنصلية وشعرت وكأني أدخل إلى فرع أمن، قلت للموظف ما أريد فطلب مني تعبئة استمارة فيها مجموعة من الأسئلة تشمل كل شيء يخص حياتي وحياة عائلتي وأقاربي، ذكرتني بالاستمارات الأمنية التي تستخدمها فروع الأمن، كتبت المطلوب وسلمتها فقال لي راجعنا بعد شهرين وبالفعل عدت بعد شهرين ليعود ويطلب مني تعبئة ذات الاستمارة من جديد دون الحصول على موعد للحصول على تجديد للجواز، وما زلت أنتظر”.
وتستمر المعاناة مع غياب «الاعتراف القانوني» بالائتلاف الوطني السوري المعارض مما لا يخوله إصدار أي وثائق رسمية، رغم اعتراف معظم الدول العربية والعديد من الدول مثل تركيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا به كممثل للشعب السوري، فما زال هذا الاعتراف سياسياً لم يصل إلى الاعتراف القانوني والدبلوماسي مما يؤهله لاستصدار الوثائق الخاصة بالسوريين والتعامل بها رسمياً، وما زال ممثلو الائتلاف يطلقون الوعود بإيجاد حل لهذه المعاناة دون الوصول إلى أي نتيجة.
ويبقى حلم الحصول على جواز سفر نظامي يخول حامله حرية الحركة والتنقل والإقامة في أي مكان، صعب المنال، سواء عبر الحصول عليه من دوائر الهجرة التابعة للنظام، أو الحصول عليه من خلال الائتلاف وممثلياته المختلفة. وتستمر رحلة العذاب السورية والبحث عن الاستقرار باستمرار الصراع وانتشار القتل والتدمير في البلاد مما دفع بالكثيرين إلى استخدام كافة الوسائل المتاحة وصولاً لركوب قوارب الموت بحثاً عن حياة تؤمن لصاحبها شكلاً من الاستقرار ومستقبلاً لأبنائه.

اعلان دولة الخلافة والتوق للخليفة المنتظر

عبد الكريم انيس
لا يمكن للمرء، أن يخدع عدة مرات، عبر التاريخ القريب والبعيد، من أن الخلاف على موضوع شكل الدولة، من منظور عقائدي، هو أمر بات يركب موجته الكثير من المخادعين الذين يمتلكون مقدرات هائلة في التمثيل على الفئات الساذجة أو تلك التائهة في بحر الفوضى الذي كانت تعيشه المنطقة جراء الاستبداد من قبل المنظومات العسكرية التي حكمت المنطقة عبر ما يزيد على خمسة عقود.
لم يعد يخفى على أحد اعلان تنظيم داعش دولة الخلافة في أرض الشام وتبعه بعد أيام شبه اعلان لإمارة إسلامية على لسان تنظيم جبهة النصرة في بلاد الشام وكلا الاعلانين كانا تصديقاً لمزاعم نظام الاجرام الاسدي بأن الثورة ستنتج أمارات اسلامية ستمزق الدولة السورية. وطبعاً هذا الادعاء مردود على من قام بإطالة أمد ثورة الكرامة والحرية واستنزف كل جهد سلمي في تغيير واستبدال السلطة الاجرامية العنيفة في سوريا واستجلب من خارج البلاد كل أنواع المرتزقة لتصبح سوريا مسرحاً تتعدد فيه الشخصيات والمهام للمتواجدين على ساحته.
لقد كان أحد أسباب ظهور مثيل هذه الفئات المتطرفة أو المتشددة هو تهجير العلماء الحق الذين لا يعرفون محاباة لأهل السلطة ومنعهم من استلام زمام تطويع الشباب من الوقوع ضحية الانزلاق في الفهم القاصر لشأن الطاعة العمياء لكل من ينصب نفسه (خليفة) على المواطنين، واستمر بدلاً عن ذلك ترسيخ سياسة ارساء علماء السلطة الذين يباركون ويمنعون أي تلويح بمحاسبة أو عزل (ولي الأمر) في ازدراء كبير لحقوق المواطنين في التعبير عن تقززها من سيطرة فئة حاكمة وباغية لزمام السلطة وكان هذا العامل أساساً في ظهور الفئة الرمادية التي أطالت أمد الثورة وزادت بذلك مفرزاتها التي يراهن على مدى استطالتها النظام السوري الذي يعتمد على الوقت في تمييع الشعارات التي خرجت تطالب بسوريا حرة لكل السوريين.
وكان لغياب القدوة الحسنة من القيادات السياسية أو حتى الدينية التي تجمع وراءها الشبان وهم الفئة الأكبر في المجتمع العامل الأساس في تخبط المجتمع والاستماع سراً لمثل هذه التنظيمات التي تعطي هالة من القدسية لنفسها عبر اتباع اساليب طقوس السرية في التحضيرات وفي الاجتماعات، سيما وأن الطغاة من الفئات الحاكمة لا يقبلون بأن يكون هناك في القطيع من يشاركهم في (محبة ) الناس وتقديسها لهم وبالتالي فهو يسمح فقط للفقاعات ذات المواهب غير الفكرية بالظهور ويسمح أيضاً أن يصبح لهؤلاء (أتباع ) حرصاً منه على ابقاءهم منشغلين في جوانب غير مساهمة في بناء الوعي وانتاج القدرات التي بالإمكان أن تنهض بالمجتمع وبالتالي تساهم في اقتلاعه من المناصب الأخطبوطية التي شبّك فيها الدولة وأسرها عبر عدة عقود.
لقد قام النظام بالتضييق على المفاهيم الشرعية وامكانية تطبيقها واحترام خصوصيتها عبر اللجوء لأسلوب التحقير والاستفزاز والاستهزاء بالقائلين بأنها الحل للنهوض بالمجتمع من تبعات الجهل والتخلف والأمية بل حتى أنه ربط التخلف بهذه المعايير وتناسى الثقافة الشعبية لمواطنيه ذات الخلفية الدينية التي تتطلع يوماً لدراسات اجتماعية تتحدث بشكل عقلاني وبدون ميل أو شطط عن هذه المفاهيم وامكانية تطبيقها في المجتمع لمحاربة أمراض تتطور بشكل سلبي فيه.
وكان لإسباغ المسميات الاسلامية، ذات التاريخ المشرف، على واقع يغوص في مستنقع الجهل والأمية، أثراً شديد الأهمية في ذات سياق لفت الانتباه، حيث تم استخدام ألقاب ذات وهج تاريخي اسلامي، يتوق اليه الفرد الذي سمع عن تلك العصور التي اصبح فيها الفرد يقارن بالخلفاء والأمراء، وهو مجرد فرد في مصفوفة منظومة من الخلفاء، واعتمد بذلك التنظيم على اشاعة حالة من الوهم المؤقت، الذي يصيب المصاب بالعطش، كي يشاهد في سراب الصحراء واحة مياه، بإمكانها أن تروي ظمأه، وتجاهل بغباء مفرط أن حالة الاستخلاف والخلافة ليست مسميات بل مشروع عمل متكامل من النهوض الأخلاقي والمعرفي المترافق بالتخلص من أمراض النفس، كأمراض الشعور بالعظمة وترداد مصطلحات الهلاك والنجاة وكأنه الحاكم المولى من سدة السماء التي تقود صاحبها ومجتمعه للهلاك.
استفاد التنظيم من حالة تصيب الانسان العادي بشكل لا شعوري، حيث ينحاز الانسان قليل الخبرة وضعيف التجربة نحو صاحب القوة ويلاحق ذوي السلطة والسلطان ويتبعه بافتنان تصل لحد العمى، خصيصاً إن كان في حالة صدمة من مشروع معين فتراه ينغمس في خيار خاطئ آخر بدون وعي وبدون تروي.
يغذي قيادي داعش بعضاً من الشعور بالقيمة للأفراد ويمنحونهم سلطات واسعة تصل لحد حيازة الأرواح وايقاف أو استمرار الحياة لدى (الرعايا الضالين)، يعزز هذا الموضوع اشباع الأنا عند الشباب صغير السن والذي لا يملك تجربة كافية في الحياة بإمكانها أن تعلمه التمييز بين تقدير الذات عبر استثمار ذاته في مشاريع تنهض بسويته المعرفية والحضرية كانسان مستخلف في الأرض ومطلوب منه أن يقدم سجل انجازاته في مرحلة ما بعد الحياة الدنيوية وبين استمالة مؤقتة من صيادي مهرة في تنصيبه وكيلاً لملك الموت يقطف الأرواح في حال غياب رضى خليفته أو أميره على المواطنين.
وفي الوقت الذي يقوم فيه (طرش) كبير من المثقفين السوريين والعرب بازدراء واستخفاف هذا التنظيم الارهابي والاكتفاء بإطلاق النكات عليه يقوم التنظيم بإجراءات عملية يحاول فيها كسب ونيل ثقة الشارع الذي يحتاج من يمد له يد ترسيخ الأمن والأمان في مناطقه بعد أن ضاق ذرعاً بعمليات السرقة التي يقوم بها عناصر نسبوا أنفسهم للثورة وبدون حساب فيقوم بحسابهم ويصادر مسروقاتهم ويكسب الشارع ويبقى أولئك المثقفين حبيسي صفحاتهم التي يكتبون بها نكاتهم وتكون المقارنة الشعبية غير الواعية لصالح التنظيم بكل أسف.
قام تنظيم داعش باتخاذ خطوات جريئة وذات سيادة تدل على أنه ند قوي لكل الفئات الثورية الموجودة على الأرض فقد نازع الفئات المسلحة على مصادر الدخل في الدولة السورية وقاتل عناصر مسلحة استولت على المعابر كي يحصل بموجبها على دخل مادي وسيادة لا يتمتع بها أنداده من المجلس الوطني، الائتلاف والفصائل العسكرية المسلحة وحتى المجالس المحلية.
قام التنظيم بالسيطرة على حقول النفط السورية، واستفاد من الحالة العشائرية بإخضاع زعماء العشائر لينطووا تحت لوائه، حتى أنه باع نفطاً للنظام السوري، حسب بعض مراقبي الدول الأوربية، ونازع فصيلاً عسكريا يشابهه على المستوى العقائدي هو جبهة النصرة على كل النقاط التي تولد شعوراً بالسيطرة والقوة ضمن المجتمع، وقام بذلك بفرض نفسه كقوة قاهرة بديلة عن حالة فراغ السلطة بعد قهر النظام السوري أو انسحابه من مناطق باتت تسيطر عليها المعارضة السورية.
يقوم تنظيم داعش بفرض ايدولوجيته ومفاهيمه الخاصة عن الاسلام في ظل فهم قاصر ومريض على الاتيان بالحدود الشرعية قبل القيام بصيانة فكرية واجتماعية للمجتمع وهو بذلك كمن يتقصد حرق المراحل، في انتهاك غير محمود العواقب على النتائج، من نقل المجتمع من حالة الانصياع التام لنظام احترف الاجرام وابتكر كل اساليب التخويف وربط معظم مناح الحياة الاجتماعية والاقتصادية واستمراره بوجوده ومن ناحية أخرى يتم نقل المجتمع الآن الخارج من سيطرة الاجرام والتخويف لتنظيم داعش الذي يحترف الارهاب بالتلويح بقطع وجز الرؤوس لكل مخالفيه الذين يتهمهم بالردة والانصياع لل(كفار) في اشارة واضحة لكل من يناهضه ويناهض تفكيره.
من حيث النتيجة، لا يوجد كثير من الفوارق، بين نظام الأسد المجرم والسفاح والتنظيم الارهابي لداعش من حيث احتلال الأرض بالقوة العسكرية وارهاب المواطنين وتقول معطيات النزاع المسلح أن لا صدامات عسكرية بين الطرفين ويقع بينهما الجيش الحر فهو على جبهة يقارع نظام الأسد وعلى جبهة أخرى يتصدى لمحاولات داعش التمدد في الريف وفي المدن المحيطة الذي يستفيد من حالة الانهاك في العدة والعتاد مع النظام.

اعتمد التنظيم على حالة النفاق وازدواجية المعايير للمجتمع الدولي، والموقف الجائر والظالم من القضية المركزية في الوعي العربي والمسلم، واصطفاف هذا المجتمع الدولي بجانب الصهاينة ضد الحقوق الفلسطينية المشروعة بالتخلص من الاحتلال، واستعادة الحقوق، ومؤخراً أكد موقف هذا المجتمع الدولي المنافق ضمن تشكيلة ما يسمى (أصدقاء الشعب السوري) وهو تجمع يقدم العون الشكلي للثورة السورية ضد نظام الأسد المجرم، وهذا التجمع حتى الآن ساقط في تفهم أبعاد الثورة السورية، الذي يطالب جزء كبير من أبناءه في الوطن، بتغيير النظام المجرم فيه، ويتم الحديث فيه لا عن ارادة الشعب السوري بحقه في تغيير نظامه السياسي، بل عن خارطة المصالح الدولية، وعلى رأسها مصلحة طفله المدلل الكيان الصهيوني، وهو لا يرى مانعاً في اشتعال حرب استنزاف بين اطياف مجتمع، طالما أن الكيان الصهيوني بعيد عن هذا التأثير.
إن الخلافة هي حلم، يعود بذاكرة المواطن الذي يعيش في حالة قهر متواتر، والتي رسخت في ذهنه مشافهة، قروناً عبر الوراء، يعتقد بموجبها أن وجه الأرض لمواطني دولة الخلافة، كان أكثر ترحاباً و اشراقاً وأكثر قوة وأشد مهابة، فيه عدل يكاد يكون مطلقاً، لا يوجد فيه طغاة ولا بغاة، بالغ النقاء والنصاعة، إن ما صاحت فيه أمة تشتكي القهر، اجتمعت لتلبيتها جيوش تسد شعاع الشمس في الأفق، لترفع عنها القهر والظلم.
لا ريب أن هذا الحلم هو مجرد صورة نمطية يهرب اليها العاجز من التعامل مع مفرزات الحياة الجديدة فيفر لعالم فيه كل شيء مقرر بشكل ايجابي سلفاً، حتى ليختلط فيه الذئب مع قطيع الخراف، فلا يبغي عليهم لأنه في حالة اكتفاء. الحقيقة أن هذا الحلم سيكون أمراً واقعاً لو تم رفع مستوى الفرد ليكون حجر أساس ترتفع فيه أسوار الحصن الاجتماعي، بعيداً عن الانحلال والتفسخ، والخوف والاكراه والاجبار، وبعيداً عن الفقر الأسود، متحصناً بسد التكافل الاجتماعي، العلم فيه ومنجزاته لا يمكن أن تكون أدوات احتكار لشعوب مقهورة أخرى.
إن الخلافة لا تتحقق الا عندما يتم ادراك الفرد، والمجتمع على التوالي، على أنه حامل رسالة تعنى فيه أنه يجعل من المجتمع الذي يعيش فيه عالماً أفضل وأنه مسؤول مسؤولية كبرى في حال الاخفاق، فهو ليس مجرد رقم ضمن أعداد كبيرة من البشر تغدو وتذوي في الحياة الدنيا والا لما كان هناك من غاية من حسابه في تعاملاته اليومية مع كافة المكونات العاقلة وغير العاقلة والتي تذهب به ليكون انساناً يستعمر في الأرض بشكل ايجابي فيخلف ورائه رسالة تعطي الآخرين صفة للأثر الذي تركه تعطيهم دفعاً على مواصلة الخطى على ذات الطريق.
إن المواطن الخليفة لا يقل قدراً عن الخليفة المسؤول بل يعتبر نداً له بإمكانه أن يوقف استمرارية ثقته به ويضاف له أن الأخير يحمل أمانة أكبر في عنقه، تكاد تخنقه فيما إن لم يحسن صون الأمانة.
إن الخلافة لا تعني شوكة وسيطرة وبطشاً لأنها بمدلولها الايجابي رسالة تتخطى حكم رقاب المواطنين فهي تدرك تمام الادراك أن أساس الملك هو العدل بين المكونات مع الصرامة في تطبيق القوانين التي تسري على جميع المواطنين على حد سواء.
الخلافة ليست فريضة في حين أن الاستخلاف فريضة من حيث تأدية نوع الأمانة التي استؤمن الانسان عليها وترك الاسلام في فترة الخلافة الراشدة شؤون اختيار الخليفة وأمير المؤمنين للرعية حتى أن عبد الرحمن استشار أهل الكتاب والشبان الصغار أجمع بشأن اختيار ابو بكر الصديق الذين نوعوا في شكل خياراتهم لقائدهم أربع مرات مختلفات فأبو بكر الصديق تمت بيعته بناء على اختيار أهل الحل والعقد وتم اختيار عمر بن الخطاب عن طريق ما يقارب في زماننا هذا كبار الناخبين التي تتخذه عدة دول كبرى منهجاً في اختيار رؤسائها وأما عثمان بن عفان فقد اختارته لجنة أوصى بها عمر بن الخطاب وأما علياً كرم الله وجهه فقد تم اختياره من عقلاء الأمة ممن يمتلكون آلة الرشد والاختيار.

وبعد أن أوصل نظام الاجرام الوضع السوري لحافة اليأس لشدة ما قام بتمزيق الدولة والمجتمع لحد إعلان جماعة ما تشكيل دولة خلافة وأخرى لإمارة وآخرين لمستوطنات تعبر عن مناطق سيطرتهم فإنه يأمل بذلك أن يقول لمؤيديه والمجتمع الدولي أن خيار وجوده كنظام علماني بمقابل هذه الجماعات يجب أن يكون في أولوية الخيارات عند البحث عن حلول الثورة السورية التي أرغم النظام ملايين المواطنين فيها للنزوح ومن ثم للجوء لدول الجوار وأنشئ بذلك أكبر تجمع من البشر يعيشون حياة بؤس وفقر وحرمان من الأمن والأمان. لا يمكن لكثير من السوريين أن يتنازلوا عن خيار اسقاط النظام الذي قتلهم وشردهم ودمر بيوتهم بمقابل تخويفهم من اعلان دولة خلافة غير منطقية ولم يطلبوها، قام بإعلانها طائفة من غير السوريين، ولا يمكن لكثير من السوريين أن يضعوا هذا الخيار في حسبانهم لأن ما بني على وهم زائل ولأنه ليس من المنطق أو العدل أن يصار للتصارع على شكل الدولة وفي ظل غياب كبير لإرادة السوريين الذين يحق لهم الاطلاع على كل الخيارات بدون أن تكون على شكل اكراه أو اجباره كأمر واقع كما فعل النظام في الماض القريب جداً في كل شؤون الحياة. إن الفوضى التي ستخلف النظام ابان سقوطه بالنسبة الي خير من اعادة التفكير به خوفاً من اعلان دولة الخلافة التي تستلزم الكثير الكثير من العمل والنهوض باتجاه الارتقاء، وعلى الشعب السوري أن يحتفظ بحقه في كل الخيارات المتبقية كي يتابع مسيرته ليأخذ مكانه الطبيعي في المسيرة الحضارية للأمم والذي عطله نظام الاجرام فترة طويلة من الزمان.

العدد السبعون من جريدة زيتون

تقرؤون فيه:

– حلب مدينة تسكنها براميل الموت – الآثار السورية بين المطرقة والسندان – المخدرات طوفان يجتاح بيوت السوريين

لتصفح العدد: http://issuu.com/maamoun/docs/zaiton_70/0 لتحميل العدد: http://www.mediafire.com/view/k8edyz8m7v7k98k/Zaiton_70.pdf الزيتون 70

زيتون | العدد الحادي والسبعون | 19 تموز 2014

تقرؤون فيه:

– تقرير عن تشكيل المجلس الثوري بسراقب
– إعلان دولة الخلافة والتوق الى الخليفة المنتظر
– جواز السفر..حلم ألاف السوريين
– تظاهرات في تركيا تطالب بطرد السوريين والقادم أخطر
– دراما 2014 حقيقة غائبة ورموز تائهة

لتصفح العدد: http://issuu.com/maamoun/docs/zaiton71/0
لتحميل العدد: http://www.mediafire.com/view/yej9smcsli4a7cc/zaiton71.pdf

العدد 69 من جريدة زيتون

69

مقاتلون لكنهم صغار

2/7/2014 مها الخضور
مع استمرار الحرب فاقت مأساة الأطفال السوريين كل الحدود والتوقعات، فكثير منهم يولدون-إذا كتبت لهم الولادة-مشوهين بسبب العنف الذي طال الأمهات خلال فترة الحمل. كما أن ملايين الأطفال حرموا من الذهاب إلى المدارس أو يحصلون على الخدمات الصحية والاجتماعية اللازمة. لكن الظاهرة التي تشكل التهديد الأكبر لطفولة أبنائنا هي انخراط أعداد كبيرة منهم ممن تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة في القتال طوعا أو رغما عنهم أحيانا.
يقول ألكس بولوك، مدير برنامج التمويل الصغير في الأونروا: “تبتلي سوريا الآن بغياب فرص العمل وتعمها البطالة. فمنذ أن بدأ النزاع، انضم 2.67 مليون شخص إلى صفوف البطالة، مما يعني أن 11 مليون شخص من المعيلين قد فقدوا سبل الدعم المالي الأساسية. علاوة على ذلك، إن تضخم الأسعار المنفلت يضغط على الأسر التي تعاني من تنامي حدة البطالة والفقر واليأس الذي دفع بالأطفال للعمل لتأمين احتياجات الأسرة ولربما زجّ بهم في القتال لنفس الأسباب أيضا”. وبالفعل فقد سُجّل انخراط أعداد كبيرة من الأطفال ضمن صفوف المقاتلين في كلا طرفي النزاع، ولم يعد غريبا رؤية صور لأطفال يحملون السلاح او يقفون على الحواجز. الأمر الذي يحتاج إلى دراسة جادة حول أسباب إقدام هؤلاء الأطفال على الأعمال القتالية رغم تعبيرهم عن الخوف من الموت في كثير من الأحيان، فأي مستقبل تنتظره سوريا بعد كل هذا الدمار والتشوه الذي طال كل شيء فيها حتى الطفولة.
وفي حديثي إلى زوجة أحد المقاتلين حول مدى خوف الأطفال من الموت قالت: “في البدء كنت أقول لأولادي إن أزيز الرصاص ووهج نيران القذائف في السماء ليسا إلا ألعاباً نارية، لأنهم كانوا يحبونها، ولكن مع الوقت، لم يعد ينطلي عليهم الأمر. صاروا يعرفون الحقيقة وأخذوا يتعاملون مع الموت كما نتعامل معه نحن الكبار”. لقد أصبح مشهد الموت اليومي مألوفا لغالبية أطفال سوريا، مما أثر على أحاديثهم وألعابهم سواء في المناطق المحررة أم في مناطق النظام. وهذا ما دفعني لرصد بعض من حالات الأطفال المقاتلين واستقصاء أسباب قيامهم بالأعمال العسكرية. فجميع هؤلاء الأطفال يدفعون ثمن حرب آبائهم غالياً. عشرات الآلاف منهم قُتلوا وملايين منهم هُجّروا من بيوتهم، ومن تبقى منهم في الوطن ينتظرهم مستقبل مجهول وغير واعد، لأن الحرب القذرة والتي طالت مدتها، خربـــت أرواح كثيرين منهم وتركت آثارها السلبية عميـــقة في نفوسهم.
يوسف-مقاتل من حي القابون الدمشقي، حمل السلاح وعمره لا يتجاوز السادسة عشرة يقول إن استشهاد أخويه بسبب القصف على الحي دفعه للانضمام إلى إحدى الكتائب المقاتلة. ويضيف أن وجود العديد من الفتيان في عمره شجعه على القتال وأزال حاجز الخوف من الموت رغم اعترافه بأنه يرغب بانتهاء الحرب بأسرع وقت ممكن والعودة إلى المدرسة التي تركها قبل عامين، ولا يخفي فرحه بالمبلغ المالي القليل الذي يستطيع إرساله لعائلته من فترة إلى أخرى قائلا: “لا أحب القتال ولكني لا أمانع بالموت دفاعا عن أهلي …. كما أنني أرسل لهم بعض المال لأن والدي لم يعد يعمل منذ أكثر من عامين”.
وفي محل لبيع الحلوى والمثلجات في حي الدويلعة، وقف ياسر حاملا بندقيته التي تبدو بوضوح شديد كبيرة على سنه وقد ارتدى لباسا مموها مما يوحي بأنه عسكري ولكنه صغير جدا، انتظر مثل بقية الأطفال وعندما حان دوره طلب مثلجات بالفريز وكان يقول لرفيقه الذي يحمل بندقية أيضا أنه يحب هذا النوع من المثلجات منذ صغره، لم أستطع منع نفسي من سؤاله بتودد كما نسأل الأطفال عادة: “كم عمرك يا بني؟” أجابني على الفور وبدون تردد: “25 عام” مما جعل رفيقه يصرخ: “ما بك لقد جعلت نفسك أكبر مني وأنا لم أبلغ التاسعة عشرة” طبعا هذان الصغيران يبدو عمرهما واضح جدا فكلاهما لم يتجاوزا السادسة عشرة. وعند السؤال عن أسرتيهما أجابني كلاهما ان الوالد قد توفي في الحرب وأنهما حملا السلاح وتطوعا في اللجان الشعبية للدفاع عن الوطن أولا ومن ثم لإعالة أسرتيهما في الزمن الصعب حيث لا يستطيع الأعمام أو الأخوال تقديم العون بسبب غلاء المعيشة.
لقد تحول لعب الأطفال إلى معارك بين المسلحين والقوات الحكومية، ينقسم الأطفال إلى فريقين في الأحياء الموالية وغالبا ما تبدأ اللعبة بمشاحنات حول تشكيل كل فريق إذ يرفض غالبيتهم الانضمام لفريق “الإرهابيين” ويفضلون البقاء في فريق النظام لأن آباءهم أو إخوتهم يقاتلون الإرهاب ويدافعون عن الوطن. ومن الضروري جدا أن تنتهي اللعبة بانتصار فريق النظام أيضا وإلا فإنها قد تؤدي إلى مشاحنات جديدة. وعند الاقتراب من ألعابهم أكثر تلفتك خبرتهم العسكرية، فهم يميزون أصوات القذائف واتجاهاتها وأنواع الأسلحة المستخدمة وطرق تضليل القناصة وصناعة القنابل وألاعيب السياسة. ثم يلفتك أيضا أن اللعبة المفضلة لديهم من بين جميع الألعاب العسكرية هي لعبة القناص، حيث يتمرن الجميع على اجتياز المناطق المقنوصة بدافع الخوف من الموت. فيقوم أحد الأطفال باعتلاء أحد الأسطح ويتظاهر بأنه قناصا فيتصايح الأطفال وينبهون بعضهم لوجوده ومن ثم يقومون بالعبور الحذر للمنطقة المحددة والفائز هو الذي يمكنه العبور أما الخاسر فهو من مات.
لقد شوهت الحرب دواخل أطفالنا وسفحت براءتهم أمام أنظار العالم فهل يقدم المختصون وأصحاب القرار ما يلزم لإنقاذ ما تبقى منهم ……..

لا يمكن أن تكون “الزوجة الثانية” في تركيا إلا فتاة سورية لاجئة

جريدة زيتون

منذ بداية نيسان عام 2011 بدأ تدفق السوريين إلى دول الجوار هرباً من الموت الذي خيم فوق البلاد، وحسب تقديرات الأمم المتحدة تجاوز عدد اللاجئين السوريين إلى تركيا عتبة المليون منهم ما لا يتجاوز 220000 فقط موجودون داخل المخيمات التركية. أما الباقي فقد توزعوا في المدن الحدودية وغيرها وجميعهم لم يمنحوا صفة أكثر من “ضيف”، الصفة التي توحي بالكرم إلا أنها في ذات الوقت تحرم اللاجئين من جميع الحقوق المنصوص عليها دوليا.
ومع اضطرار الكثير من العائلات السورية للهرب دون أن يتمكنوا من حمل أوراقهم الثبوتية ونفاذ مدخراتهم التي استطاعوا جلبها معهم ليعيشوا في هذا البلد الذي تعتبر الحياة فيه صعبة بسبب غلاء المعيشة النسبي، فقد لجأوا إلى طرق ربما يصح تسميتها باللاإنسانية أحيانا للتحايل على شظف العيش وجوع الغربة. في هاتاي، يمكنك رؤية الآلاف من السوريين الذين يسكنون الحظائر أو الأكواخ لتسترهم بما حملوا من مال قليل. وحين تسأل عن أحوالهم تطالعك قصص تشبه الخيال عن الفقر الذي أجبر…

View original post 689 more words

لا يمكن أن تكون “الزوجة الثانية” في تركيا إلا فتاة سورية لاجئة

منذ بداية نيسان عام 2011 بدأ تدفق السوريين إلى دول الجوار هرباً من الموت الذي خيم فوق البلاد، وحسب تقديرات الأمم المتحدة تجاوز عدد اللاجئين السوريين إلى تركيا عتبة المليون منهم ما لا يتجاوز 220000 فقط موجودون داخل المخيمات التركية. أما الباقي فقد توزعوا في المدن الحدودية وغيرها وجميعهم لم يمنحوا صفة أكثر من “ضيف”، الصفة التي توحي بالكرم إلا أنها في ذات الوقت تحرم اللاجئين من جميع الحقوق المنصوص عليها دوليا.
ومع اضطرار الكثير من العائلات السورية للهرب دون أن يتمكنوا من حمل أوراقهم الثبوتية ونفاذ مدخراتهم التي استطاعوا جلبها معهم ليعيشوا في هذا البلد الذي تعتبر الحياة فيه صعبة بسبب غلاء المعيشة النسبي، فقد لجأوا إلى طرق ربما يصح تسميتها باللاإنسانية أحيانا للتحايل على شظف العيش وجوع الغربة. في هاتاي، يمكنك رؤية الآلاف من السوريين الذين يسكنون الحظائر أو الأكواخ لتسترهم بما حملوا من مال قليل. وحين تسأل عن أحوالهم تطالعك قصص تشبه الخيال عن الفقر الذي أجبر الآباء على بيع بناتهم مقابل أجرة كوخ يستر باقي أفراد الأسرة. وعند سؤال المعنيين بالأمر سواء من الحكومة التركية أو منظمات المجتمع المدني لا يمكنك الوصول إلى أية إجابة سوى ما يعري تقصير الجميع تجاه هؤلاء. وبالرغم من أن إعلام العالم يتحدث يوميا عن السوريين ولكنه في جله مهتم بأخبار “المجاهدين” أو الدمار الذي تلحقه البراميل بالبلد، وفي بعض الأحيان صورت بعض وسائل الإعلام بعض حالات التسول في شوارع تركيا، لتبقى قضية المرأة السورية اللاجئة قيد الكتمان.
وليس سراً أن الزواج بامرأة ثانية يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون التركي، ولكن أعداد الرجال الأتراك ممن تزوجوا من سوريات تزداد يوما بعد يوم. ودرجت تسمية جديدة لهذا الزواج “زواج الإمام” المشرع إسلاميا ولكنه مخالف للقانون التركي، ولا بد أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة سورية حصرا لأنها لا تملك أوراقا ثبوتية لتستخدمها من أجل إتمام إجراءات زواج قانوني. وليس غريبا أن تكون أغلب تلك الزوجات من القاصرات بأعمار لا تتجاوز الرابعة عشرة فهذا السن رغم أنه سن الطفولة إلا أنه هو المفضل للأزواج الراغبين بزوجة ثانية مع الأسف.
شهدت مدن هاتاي وغازي عنتاب وأورفة وكيليس أكثر تلك الزيجات وتعتبر هذه الظاهرة في طور الانتشار في المجتمع التركي. فقد أفادت منظمة “كيليس بلاتفورم” الغير حكومية بأن ما لا يقل عن 5000 حالة “زواج إمام” وقعت في كيليس وحدها، المدينة التي لا يزيد عدد سكانها عن 124000 نسمة، كما تحدث البعض عن أن نصف عدد الرجال تقريبا في الريحانية قد تزوجوا بزوجة ثانية من اللاجئات السوريات. قد يقول قائل إن تعدد الزوجات أمر شائع في المجتمع السوري ولكن الحقيقة أن الزوجة الثانية هنا في تركيا لا تملك أي حق من حقوق الزوجات. وأغلبهن يتلقين الضرب اليومي ويتعرضن للكثير من العنف الأسري وهن لا تتجرأن على طلب الطلاق لأن ما يدفعه الزوج من مال يساعد به الأهل سينقطع حتما. ولإخفاء حرجهن، عمدت الزوجات التركيات إلى ادعاء قبول الضرة وأطلقن عليها اسما جديدا “الأخت الشرعية” ولكن عادة ما يتم التعامل معها على أنها خادمة أو بأحسن الأحوال مساعدة للزوجة الأولى.
عند سؤال شريف.أ-مواطن تركي من مدينة كيليس وقد تزوج بزوجة ثانية-عن سبب إقدامه على هذا الزواج أجاب بكل تلقائية: “إنها لا تكلف الكثير، فالمرأة التركية تطلب مهرا بما يعادل 5000 دولار أما السورية فربما تقبل بـ 500 ليرة” وأضاف قائلاً ” إنها لا تطلب مني إلا الرضا وأنا لم أرتكب ما يغضب الله”. ثم حدثني عن زواجه الذي يمكن اعتباره خدمة إنسانية وواجب شرعي تجاه عائلة مسلمة.
وفي مدينة أورفة يعيش الكثير من اللاجئين السوريين، السيدة أمينة من منظمة “بيت المرأة” شرحت لي على الهاتف أن هناك الكثير من المشاكل الاجتماعية فيما يتعلق بتعدد الزوجات: “إن سيكولوجية تلك النساء السوريات اللواتي يتزوجن لتصبحن زوجة ثانية او ثالثة ليست سوية، وهنّ تعانين من حالة من القلق بخصوص ما بعد ذلك الزواج، كما أكدت ان أورفة أصبحت سوقا يتم فيه المتاجرة علنا بالنساء مقابل مبلغ من المال”. وهناك من تخيب آماله بعد زواجه الثاني فيحاول التعويض بزوجة ثالثة او رابعة وكل ذلك تحت مسمى “الزواج الشرعي أو زواج الإمام” الذي لا يمكن اعتباره قانونيا تحت أي ظرف كان. لا بل إن بعض أصحاب المنازل تجرأوا على طلب الزواج من الفتيات السوريات مقابل مبلغ أجار المنزل الذي يقطنه أهلها إذا تعذر عليهم الدفع في الوقت المحدد”.
أما السيد الياس الذي اشتهر كوسيط زواج في جميع أنحاء هاتاي، وقد تحدث إلينا بكثير من الحذر والحرص وفي حديثه قال: “بدأ عملي في قريتي قبل الحرب، فقد أرسلنا الكثير من العرائس من قريتنا إلى قونيا وإسطنبول وقد نالوا إعجاب الأسر التي تزوجوا من أبنائها، فهن ماهرات في تحضير الطعام اللذيذ ومتواضعات ويرتدين اللباس الإسلامي المحتشم لذلك بدأ الكثيرون يطلبون مني في وقت لاحق إرشادهم إلى عرائس مماثلة وبعد الحرب قدمت لهم العرائس السوريات وهم وافقوا”. “أنا مجرد واسطة بين الطرفين ولكن الناس يسيئون فهمي” ثم أضاف وهو يبتسم: “الحقيقة أكثر العرائس هن من السوريات لأن الطلب على العروس السورية أكبر”.
وفي حديثي إلى فاطمة وهي فتاة سورية تزوجت بعمر 13 عام من رجل تركي عمره 60 عاما، نظرت حولها بقلق وريبة ثم قالت: “”هربنا من الحرب وجاء بعض الرجال لمساعدتنا، بعضهم قدم لنا الطعام وأحدهم كان زوجي وأخبر والدي أن زوجته توفيت وليس لديه أبناء ومن ثم عرض عليه أن يزوجني مقابل استئجار منزل لأهلي، لكني اكتشفت لاحقا أن زوجته موجودة ولديهما أربعة أبناء” وعن حياتها قالت: “إنهم يطعموني من طعامهم وأساعد زوجته في أعمال المنزل ولست الوحيدة التي تزوجت صغيرة”.

جريدة زيتون | العدد التاسع عشر |6 حزيران 2013

لتحميل العدد بدقة عالية

للتحميل

جريدة زيتون | العدد الثامن عشر | 2 حزيران 2013

لتحميل العدد بدقة عالية

zaiton 18